الاتجاهات وطريقة تكوينها

يقول "ميشيل نيلي" (Nelly): "إذا آمنت بقوة في أنَّ شيئاً ما سوف يتغير فإنَّه بالفعل سيحدث ربما ليس غداً أو بعد غد ولكن حتماً سيحدث التغيير" والقصد من ذلك أنَّ إيمان الفرد بفكرة معينة وتبنِّيه لاتجاه محدد نحو هذه الفكرة هو ما يوجِّه سلوكه ويدفعه لتنفيذ كل ما يمكنه لتحقيق تلك الفكرة.



الاتجاه هو دافع للسلوك الإنساني فهو وثيق الصلة بحياة الإنسان وما يحمله من قيم وأفكار، لذلك حظي الاتجاه باهتمام بالغ وخاص في الدراسات التربوية والنفسية وكذلك الاجتماعية، والاتجاه عامة يعبر عن موقف الفرد تجاه الموضوعات المختلفة بحيث يمكن من خلال استنتاج فكرته عنها وما يحمله من مشاعر نحوها، وفي الوقت نفسه نستطيع التنبؤ بسلوك الفرد في كل مرة تظهر هذه الموضوعات أمامه في المستقبل، فهو ظاهرة نفسية اجتماعية جديرة بالاهتمام والدراسة.

الاتجاه وأهميته:

يقول "هربرت سبنسر" (Herbert Spencer): "إنَّ وصولنا إلى أحكام صحيحة في مسائل مثيرة لكثير من الجدل يعتمد إلى حد كبير على اتجاهنا الذهني ونحن نصغي إلى هذا الجدل أو نشارك فيه"، فالاتجاه هو الميل إلى موضوعات معينة دون أخرى يقبل عليها ويحبذها أو ينفر منها ويرفضها ويكرهها، ومن وجهة نظر أكاديمية يعرِّف "جوردن ألبورت" الاتجاه بأنَّه "حالة الاستعداد أو التأهب العصبي والنفسي تنتظم من خلالال خبرة الشخص وتكون ذات تأثير توجيهي أو دينامي في استجابة الفرد لجميع الموضوعات والمواقف التي تستثير هذه الاستجابة".

الاتجاه ليس دافعاً فطرياً؛ بل هو دافع متعلم ومكتسب ومشبع بالعاطفة ويمتلك درجة من الثبات النسبي ويحدد شعور الفرد ويكوِّن سلوكه تجاه الموضوعات والمواقف والأفراد والجماعات والأشياء المختلفة بتفضيلها أو عدم تفضيلها والنفور منها، فإذا كان الفرد يميل إليها ويحبها كان اتجاهه نحوها إيجابياً، وإذا كان الفرد يكرهها وينفر منها كانت اتجاهاته نحوها سلبية، وتجدر الإشارة إلى أنَّ موضوع الاتجاه يمكن أي يكون فرداً أو مجموعةً أو جماعةً أو موقفاً أو حدثاً أو مذهباً أو مادةً علميةً أو مشروعاً أو أي شيء آخر.

مما يتألف الاتجاه؟

يتألف الاتجاه من ثلاثة مكونات أساسية هي:

1. المكون المعرفي:

يشير هذا المكون إلى تراكم المعارف والخبرات والمعتقدات والآراء والتوقعات وكل ما يمت لموضوع الاتجاه بصلة لدى الفرد؛ وذلك نتيجة الاحتكاك بالبيئة التي يوجد فيها.

2. المكون العاطفي:

يشير إلى الشحنة العاطفية لدى الفرد تجاه موضوع الاتجاه الذي يدفعه إلى تكوين مشاعر محددة تجاهه مثل القبول أو الرفض والحب أو الكراهية والارتياح أو عدمه.

3. المكون السلوكي:

يشير إلى نزعة الفرد للقيام بسلوك محدد وفقاً للاتجاه الذي يتبناه، فوجود المعرفة المناسبة للفرد عن موضوع الاتجاه التي استقاها من إدراكه الجيد له مترافق مع الشحنة الانفعالية المناسبة، فلا يتبقى إلا النزعة للقيام بالسلوك المناسب لتلك المعرفة والشحنة العاطفية، وللاتجاه أهمية خاصة في حياة الفرد، فهو يحدد سلوكاته ويفسر حدوثها؛ إذ تنعكس الاتجاهات في أقوال الفرد وأفعاله وتصرفاته وتفاعله مع المحيط الاجتماعي من أفراد وجماعات، كما تمثل الاتجاهات إطاراً مرجعياً للفرد يعود إليها في اتخاذ قراراته.

شاهد بالفيديو: مهارات التواصل مع الآخرين

كيف يمكن تكوين الاتجاهات؟ وما هي طرائق التعبير عنها؟

إنَّ الاتجاه مكتسَب ومتعلَّم وليس وراثياً، ينمو ويتطور من خلال عملية تفاعل الفرد مع البيئة التي يعيش فيها بعناصرها كافة، وتعلُّم الاتجاه يتم بشكل تدريجي وليس دفعةً واحدة، كما يمكن أن يتم تكوين الاتجاه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ويمر تكوين الاتجاه بثلاث خطوات أساسية هي:

1. الإدراك:

تتمثل الخطوة الأولى في تكوين الاتجاه بإدراك الفرد لمثيرات البيئة من خلال تفاعله معها؛ إذ يتكون لديه نتيجة هذا التفاعل رصيد معرفي من الخبرات والمعلومات والمعتقدات والآراء السائدة فيها، بحيث يصبح ذلك الرصيد بمنزلة الإطار المرجعي للفرد.

2. التقييم:

الخطوة الثانية في تكوين الاتجاه تتمثل بالتقييم الذي يستند إلى الإطار المرجعي الذي كوَّنه الفرد عن البيئة الموجود فيها، إضافة إلى العوامل الذاتية الخاصة بالفرد التي تمثل المشاعر والعواطف.

3. التقرير:

هي الخطوة التي يقوم من خلالها الفرد بتقرير علاقته بكافة العناصر.

يتم التعبير عن الاتجاهات من خلال طريقتين:

الأولى: الطريقة اللفظية؛ إذ يعبر الفرد عن اتجاهه تجاه موضوع أو قضية ما من خلال حديثه بشكل علني وصريح.

الثانية: الطريقة العملية التي يعبر فيها الفرد عن اتجاهه تجاه موضوع أو قضية ما من خلال سلوكه وتصرفاته.

ما هي العوامل التي تؤثر في الاتجاه؟

1. الأسرة:

تمثل الأسرة الحاضن الأول للفرد في المجتمع؛ إذ يُعَدُّ الوالدان المصدر الأول الذي يتشرب فيه الطفل اتجاهاته؛ وذلك من خلال تفاعله الكبير معهما وطرحه الأسئلة الكثيرة عليهما، فالاتجاهات التي يكتسبها الفرد في هذه المرحلة تتسم بنوع من الاستمرارية خلال حياته، وتوجد صعوبة في تغييرها فالأسرة هي الأساس التربوي في المجتمع وفيها تبدأ مفاهيم الحب والكراهية والخوف وإلى ما ذلك.

إقرأ أيضاً: 7 نصائح مهمة تساعد على تحقيق التماسك الأسري

2. المدرسة:

تمثل المدرسة الحاضن الثاني للطفل بعد الأسرة، ومن خلالها ينتقل الطفل إلى مجتمع منظم يسود فيه قانون ونظام محدد عليه أن يلتزم بهما؛ إذ يتفاعل الطفل مع معلميه ومع زملائه ويكتسب معارف وخبرات جديدة ويزيد تحصيله الفكري والمعرفي، وتسهم جميعها في تكوين اتجاهات جديدة.

تُعَدُّ الفترة التي يقضيها الطفل في المدرسة هامة جداً، فهو قد يتأثر بسلوك زملائه أكثر من القيم التي تعلمها من والديه في المنزل، وتتجلى مهمة المدرسة في الواقع في دعم الاتجاهات الإيجابية ومعالجة الاتجاهات السلبية التي تعلَّمها الطفل من خارج المدرسة وتغييرها إلى اتجاهات إيجابية.

شاهد بالفيديو: 15 درس في الحياة لا تقدمها لك المدرسة

3. المجتمع المحلي والمجتمع الأكبر:

ينفرد كل مجتمع بثقافته الخاصة وعاداته وقيمه ومعتقداته التي تميزه عن غيره؛ إذ يعمل المجتمع على نقل كل ذلك عبر مؤسساته المختلفة كالأسرة والمدرسة ودور العبادة والتنظيمات الرسمية وغير الرسمية والجمعيات المختلفة.

كيف يمكن تعديل وتغيير الاتجاهات؟

على الرغم من أنَّ الاتجاهات تتميز بثباتها النسبي، لكن لا يمكن أن ننسى أنَّها مكتسبة ومتعلمة كذلك، وبناءً عليه فهي قابلة للتغيير والتعديل، فيمكن تغيير اتجاه الفرد إذا ما أتيحت له فرصة التعمق في موضوع الاتجاه وتفاصيله لا سيما الجوانب المعرفية التي يقوم عليها، وفي الوقت نفسه يجب النظر إلى طبيعة الاتجاه ومدى أهميته بالنسبة إلى الفرد ومحيطه الاجتماعي، ومهما كان فغالباً ما يلجأ الفرد إلى تكوين اتجاهات إيجابية لكل ما يمكن أن يساعده على تحقيق أهدافه وإشباع رغباته أو لكل ما يؤمن به.

بعض الاتجاهات يكون من السهل تغييرها؛ تلك الاتجاهات التي تتصف بالضعف ومتساوية مع غيرها في القوة ووجود مؤثرات ضدها تبدو مقنعة بشدة أو اتجاه غير واضح بشكل جيد، وفي المقابل توجد اتجاهات صعبة التغيير؛ إذ تكون قوية وراسخة ومستقرة وذات أهمية مرتفعة، ومن أهم الطرائق التي يمكن أن نلجأ إليها لتغيير الاتجاه:

1. تغيير الجماعة المرجعية للفرد:

يمكن نقل الفرد للعيش ضمن جماعة جديدة تملك الاتجاه المرغوب والمراد إكسابه للفرد، فالعيش معهم لفترة من الوقت سوف يدفع الفرد إلى اكتساب الاتجاه الجديد وذلك ليناسب الجماعة الجديدة.

2. تغيير الإطار المرجعي للفرد:

يتشكل الإطار المرجعي من خلال ما يتعلمه الفرد من قيم ومعتقدات وعادات وتقاليد في المجتمع، فإحداث تغيير فيها سوف ينعكس على اتجاهات الفرد ويتم تغييرها.

3. التغيير في موضوع الاتجاه الأساسي:

بحيث يتمكن الفرد بنفسه من إدراك التغيير ويتقبل التغيير الجديد كما يحدث في اتجاهات الأحزاب السياسية ومواقفها من القضايا.

4. التغيير القسري:

وفقاً لظروف معينة قد يتم تغيير اتجاه الفرد إما بشكل سلبي أو إيجابي.

5. تغيير المواقف الاجتماعية التي يمر بها الفرد:

نقل الفرد من موقف اجتماعي إلى آخر مختلف يساعد على تغيير الاتجاه.

6. وسائل الإعلام:

تؤثر وسائل الإعلام تأثيراً كبيراً في اتجاهات الأفراد، وهذا ما يمكن أن نستنتجه من خلال الإعلانات وقدرتها على التأثير في آراء المستهلكين نحو منتجات معينة، فهي تؤدي دوراً هاماً في عملية التنشئة والتطبيع الاجتماعي؛ لذا يمكن استخدامها لبناء اتجاهات معينة لدى أفراد المجتمع.

إقرأ أيضاً: ايجابيات وسلبيات وسائل الإعلام

7. اتجاهات القادة:

يميل الكثير من الأفراد إلى تبني اتجاهات قادتهم ومن يعدُّونهم قدوة لهم.

8. المؤسسات التعليمية:

تؤدي المؤسسات التعليمية كالمدرسة والجامعة الدور الأبرز في تغيير اتجاهات الأفراد، وذلك لدورها المميز في عملية التنشئة الاجتماعية، فاختيار المعارف والمعلومات المقدَّمة يسهم في تكوين الاتجاهات الإيجابية تجاه قضايا معينة، فالأفراد يتعلمون بالقدوة والملاحظة أكثر من أي أسلوب آخر.

في الختام:

يمثل الاتجاه صورة ذهنية كوَّنها الفرد من خلال تفاعله مع البيئة المحيطة به تجاه القضايا والموضوعات التي تُعرض عليه وقام بتخزينها في بنائه المعرفي وقام بجمع المعلومات عنها، ومن ثم عالجها بأسلوبه الخاص ونظمها ضمن ترتيب معين، ومن ثم أصدر القرار بشأنها واختزنها على أساس أنَّها خبرة متكاملة، فالاتجاهات توجد من خلال اتصال الفرد المستمر بموضوع الاتجاه في مواقف تثير في داخله خبرات سارَّة أو حزينة، فتتكون وفقاً لذلك اتجاهات إيجابية أو سلبية.




مقالات مرتبطة